السبت ٢٣ / سبتمبر / ٢٠١٧ - ١٠:٥٥:٣٢ بتوقيت القدس

دلالات تهديد القسّام بإحداث فراغ أمنيّ في قطاع غزّة

August 23, 2017, 6:58 pm

نقلت وكالة أنباء الأناضول التركيّة في 10 آب/أغسطس عن مصدر في حماس أخفى هويّته، أنّ جناحها المسلّح كتائب عزّ الدين القسّام، قدّم في أوائل آب/أغسطس لقيادة الحركة خطّة للتعامل مع الأوضاع اللاإنسانيّة في غزّة، تقوم على إحداث فراغ سياسيّ وأمنيّ فيها، وتتخلّى حماس عن أيّ دور في إدارتها، وتقدّم الشرطة المدنيّة الخدمات المنوطة بها، فيما تسيطر كتائب القسّام والأجنحة العسكريّة الفلسطينيّة، على غزّة ميدانيّاً وأمنيّاًولم تذكر الكتائب من تقصد من الأجنحة العسكرية الفلسطينية التي ستشاركها السيطرة الأمنية على غزة.

جاء إعلان الخطّة في ظلّ اشتداد العقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينيّة على غزّة منذ حزيران/يونيو، وعدم قدرة حماس على سدّ العجز الناجم عن تلك العقوبات، أهمّها تقليص رواتب الموظّفين الحكوميّين وعدم تحويل الأموال إلى الوزارات الخدماتيّة كالصحّة، ووقف شراء الوقود لتشغيل محطّة الكهرباء.

وفيما أعلن عضو المكتب السياسيّ لحماس صلاح البردويل في 11 آب/أغسطس عدم علمه بالخطّة، ووصفها بغير الواقعيّة، أكّد نائب رئيس المكتب السياسيّ لحماس خليل الحيّة في 15 آب/أغسطس أنّ الخطّة مطروحة على طاولة البحث لدى قيادة حماس، وستتّخذ فيها قراراً بعد دراستها.

حتّى اللحظة، لا يوجد تفسير لهذا التناقض في موقف حماس بين تأكيد خطّة القسّام ونفيها، لكن قد تكون إشارة أنّ الخطّة جاءت مفاجئة، حتّى لأوساط قياديّة داخل الحركة ذاتها.

قال المتحدّث باسم حماس حازم قاسم لـ"المونيتور" إنّ "خطّة القسّام تعتبر مقترحاً من مقترحات أخرى قدّمتها دوائر مسؤولة في حماس لقيادة الحركة، من أجل وضع تصوّرات لطبيعة تعامل الحركة مع الأوضاع القائمة حاليّاً، واستشراف المرحلة المقبلة، في ظلّ الأزمة التي تعصف بالشعب الفلسطينيّ، وحتّى اللحظة لم تتّخذ الحركة قراراً نهائيّاً فيها بعد".

اللافت أنّ إعلان خطّة القسّام تزامن مع تفاؤل ساد في الشارع الفلسطينيّ حول تفاهمات حماس مع القياديّ المفصول من فتح محمّد دحلان في حزيران/يونيو، لإدارة غزّة في صورة مشتركة، ممّا يدعو إلى التساؤل حول إمكان عدم تقدّم التفاهمات، وخشية حماس أن تتعمّد مصر الإبطاء في تطبيقها في غزّة، من دون معرفة السبب.

وكانت حماس توصلت لتفاهمات مع مصر في تموز/يوليو، تشمل أن تضبط الحركة الوضع الأمني على حدود غزة وسيناء، ومنع تسلل أي عناصر مسلحة من سيناء لغزة، مقابل تخفيف مصر للحصار على غزة، بفتح معبر رفح، وإدخال البضائع الغذائية، والمساهمة بحل مشكلة الكهرباء بغزة.

قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأمّة في غزّة والخبير في شؤون حماس حسام الدجني لـ"المونيتور" إنّ "خطّة القسّام تحمل رسائل متعدّدة الأهداف والاتّجاهات، أهمّها لإسرائيل بأنّ حماس نفذ صبرها من حالة الهدوء مقابل الهدوء، مع استمرار الحصار المشدّد على غزّة، وقد توافق قيادة حماس السياسيّة على الخطّة، ممّا يضع المشهد الفلسطينيّ أمام خيارين: الحرب مع إسرائيل، أو رفع كامل لحصار غزّة، ممّا يحتّم إخضاع خطّة القسّام إلى دراسة معمّقة، ووضع حسابات الربح والخسارة على الطاولة بدقّة، فالخطأ غير مسموح في القضايا الاستراتيجيّة".

يمكن اعتبار خطّة القسّام جزءاً من تفكير حماس خارج الصندوق الذي قد يقلب الطاولة على جميع اللاعبين في الملفّ الفلسطينيّ، بمن فيهم إسرائيل ومحمود عبّاس ومصر ودحلان، وإن كان يقترب من كونه خياراً عدميّاً مخيفاً، لكنّه قد يستفزّ تلك الأطراف لمحاولة التفاهم مع حماس قبل اقترابها من هذا السيناريو المدمّر، المتمثل بتخلي حماس عن السيطرة على غزة، بغرض دخول غزة حالة من الفوضى، بما قد يهدد الأمن على الحدود مع إسرائيل، بما قد تراه حماس أداة ضغط عليها للمسارعة لتخفيف الحصار على غزة.

قال رئيس لجنة الشئون السياسيّة في المجلس التشريعيّ وعضو المجلس الثوريّ لفتح عبد الله عبد الله لـ"المونيتور" إنّ "خطّة القسّام قد تعبّر عن صدمة داخل حماس من التفاهمات الأخيرة مع دحلان، الهادفة لإدارة مشتركة بينهما لأوضاع غزة، مع أن دحلان كان إلى وقت قريب بنظر حماس يقود تيّاراً انقلابيّاً خيانيّاً، لكنّها اليوم تحالفت معه، وتجلّى ذلك في تضارب تصريحات قادة حماس حول الخطّة، كما قد تشكّل الخطّة صرخة يائسة من القسّام تعبيراً عن عدم القدرة على حلّ مشاكل غزّة، مع أنّ الأفضل لحماس بدل خيار الفوضى الأمنيّة، التفاهم مع الرئيس عبّاس".

ذكرت صحيفة العربي الجديد في لندن والمقرّبة من قطر، في 16 آب/أغسطس أنّ خطّة القسّام تبلورت في تمّوز/يوليو، وأنّ تسريبها للإعلام جاء للضغط على الأطراف المتلاعبة في غزّة، ولا تريد تحريك تفاهمات حماس مع دحلان، خاصة السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس.

لكنّ المستشار السياسيّ السابق لرئيس المكتب السياسيّ لحماس اسماعيل هنيّة، أحمد يوسف قال لـ"المونيتور" إنّ "فكرة الفراغ السياسيّ التي قدّمتها كتائب القسّام إلى المكتب السياسيّ لحماس، لا تحظى بإجماع وطنيّ، وتبدو محاولة طائشة للتحليق في الهواء بلا أجنحة، كما أنّ تسريب القسّام هذه الأفكار يعكس إشكاليّة كارثيّة، لأنّ القيادات العسكريّة والأمنيّة تقدّم أفكاراً إلى المستوى السياسيّ القياديّ تتعلّق بالحرب والدفاع، أمّا أن تبادر كتائب القسّام وتسرّب هذه الأفكار، فهذا يعكس ضعفاً وتسيّباً لم يكن قائماً داخل مؤسّسات حماس الشوريّة ومرجعيّاتها السياسيّة".

قال المحلّل السياسيّ الفلسطينيّ صالح النعامي لـ"المونيتور" إنّ "تزامن إطلاق القسّام هذه المبادرة يتزامن مع بدء إسرائيل بناء العوائق المادّيّة على طول الحدود مع القطاع لتدمير الأنفاق، ممّا قد يعني أنّ خطّة القسّام ترسل إشارة تحذير إلى إسرائيل بأنّ حماس لن تسمح باستهداف الأنفاق القتاليّة، إلى جانب أنّها رسالة واضحة إلى السلطة الفلسطينيّة التي تواصل فرض العقوبات على القطاع، مفادها أنّ حماس لن تسمح بتحقيق رهانات عبّاس من العقوبات التي يفرضها على غزّة، وقد تكون رسالة بعدم ثقة حماس بإمكان تحقيق الرهانات على التفاهمات التي توصّلت إليها مع دحلان، وبغضّ النظر عن دوافع الخطّة، فإنّ إحداث الفراغ السلطويّ في غزّة ينطوي على مخاطر كبيرة".

أخيراً... على الرغم من استمرار النقاش الفلسطينيّ حول خطّة القسّام حتّى هذه اللحظة، لكن لا أحد يعلم كيف ستطبّق الكتائب خطّتها هذه على أرض غزّة، ولا توقيتها الزمنيّ بدقّة، وهل تعني انقلاباً عسكريّاً مسلّحاً، بصبغ الحياة المدنيّة في غزّة بطابع عسكريّ كامل، لكنّنا أمام تطور خطير قد يخلط الأوراق كلّها، ويجعل غزّة على مقربة من سيناريوهات لا تريدها حماس، لكنّها قد تجد نفسها مضطرّة إلى الذهاب إليها، لتجنب اندلاع موجات غضب شعبيّة فلسطينيّة داخليّة في غزّة احتجاجاً على تأزّم الوضع الإنسانيّ الكارثيّ.

د. عدنان أبو عامر