السبت ٢١ / يوليو / ٢٠١٨ - ٠٥:٢٢:٥٣ بتوقيت القدس

قرار ترامب والصراع على القدس المحتلة

January 11, 2018, 6:17 am

جوال

في خطوة خطيرة غير مسبوقة، قرّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وأعلن اعتزامه نقل السفارة الأمريكية إليها، وقد أثار ترامب بقراره عاصفة من ردود الأفعال العربية (التي اقتصرت في غالبيتها على الجانب الشعبي) والدولية، الرافضة له، فعقب صدوره رفضت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موجيريني قرار ترامب، وقالت أنه قد يُعيدنا إلى الوراء لحقبة مُظلمة، في حين أبدت الخارجية الروسية قلقها من هذه الخطوة، مؤكّدة على موقف موسكو من اعتبار القدس الغربية عاصمة لإسرائيل، والشرقية عاصمة لفلسطين.
بيْد أن الصفعة الدولية الأكبر لقرار ترامب كانت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي أصدرت قراراً بأغلبية 128 دولة يؤكّد على بطلان أي قرارات أو إجراءات تهدف إلى تغيير طابع مدينة القدس، ويدعو جميع الدول إلى الامتناع عن إنشاء بعثات دبلوماسية فيها، وقد جاء قرار الجمعية العامة بالرغم من كلّ الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على الدول الصغيرة من أجل الحؤول دون صدور القرار، والتي وصلت حدّ تهديدها بقطع المساعدات عنها، وقد صدر قرار الجمعية العامة بعدما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض «الفيتو» لدى التصويت على القرار في مجلس الأمن الذي حظي


صدور القرار، والتي وصلت حدّ تهديدها بقطع المساعدات عنها، وقد صدر قرار الجمعية العامة بعدما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض «الفيتو» لدى التصويت على القرار في مجلس الأمن الذي حظي بموافقة 14 دولة، وقد تخللّ المشهد تصريحات عصبية وانفعالية صدرت عن نيكي هايلي رئيسة الوفد الأمريكي في الأمم المتحدة قبل قرار الجمعية العامة وبعده، عكست خروجاً صارخاً عن أصول اللياقة و حدود الأعراف الدبلوماسية .
يُعدّ قرار ترامب ضربة قاضية لكل القرارات الصادرة عن الشرعية الدولية، لاسيّما الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمن، التي أكّدت في مجملها على أنّ القدس الشرقية أرض عربية محتلّة لا يجوز تغيير الأوضاع السياسية أو الديموغرافية فيها، وعلى عدم شرعية و بطلان أي تغيير يجري عليها، بدءاً من قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة رقم 181 لسنة 1947، ومروراً بقرار مجلس الأمن رقم 242 لسنة 1967 الذي نصّ على انسحاب إسرائيل من كل الأراضي التي احتلتها في حرب الخامس من حزيران/يونيو، والقرار 478لسنة 1980 الرافض لقرار الحكومة الإسرائيلية بضمّ القدس، وانتهاءً بالقرار 2334 لسنة 2016 الذي طالب إسرائيل بضرورة وقف الاستيطان في الأراضي التي احتلتها عام 1967 بما فيها القدس وعدم الاعتراف بأي تغييرات تجريها عليها. 
كما يأتي هذا القرار ليطلق رصاصة الرحمة على دور «الراعي الرئيسي» للسلام، أو»الوسيط» بين أطراف النزاع، الذي حاولت الولايات المتحدة لعبه طيلة العقود الماضية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، كاشفاً عن تخلّيها عنه بشكل كامل، حيث يقول الواقع أنها تخلّت عنه منذ سنوات طويلة بانحيازها الدائم لحليفتها إسرائيل، كما أنّه ينسف مشروع التسوية السلمية، أوعملية السلام (المتوقّفة عملياً منذ تموز/يوليو2000 بعد فشل قمّة كامب ديفيد التي جمعت بين بيل كلينتون وياسر عرفات وايهود باراك) وهو بمثابة شهادة وفاة لاتفاقية «أوسلو» برمّتها (فمن المعلوم أن القدس في صدارة قضايا الحلّ النهائي) وكلّ ما تمخّض عنها من أوهام المفاوضات العبثية، وحلّ الدولتيْن. 
كان ترامب قد تعهّد خلال حملته الانتخابية أمام مؤيّديه من اليمين الديني بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل (ذهبت أصوات 80% من المسيحيين البيض والإنجيليين لترامب في الانتخابات الرئاسية) وبهذا يكون قد أوفى بوعده أمام قواعده، ولا يمكن الفصل بين قراره وبين «صفقة القرن» التي راج الحديث عنها إعلامياً في أعقاب قمّة الرياض التي عُقدت في أيار/مايو الماضي، وجمعت بين ترامب وعدد من الرؤساء العرب، خرج منها الأول بعدما وقّع عقوداً تضمن ذهاب مئات المليارات من الدولارات إلى الشركات الأمريكية، ويبدو أن الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل خطوة تستهدف فرض الأمر الواقع، ستتلوها خطوات أخرى، في مضمون تلك الصفقة الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية. 
تنبغي الإشارة هنا إلى أنّ الكونغرس الأمريكي قد أقرّ بمجلسيْه، وبأغلبية كبيرة من الحزبيْن، قانون «سفارة القدس» إبّان إدارة كلينتون عام 1995، الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونصّ على ضرورة نقل السفارة الأمريكية إليها في سقف زمني لا يتجاوز 31 أيار/مايو 1999، بيْد أنّ القانون تضمّن بنداً يسمح للرئيس الأمريكي بتوقيع إعفاء مدة 6 أشهر إذا رأى أنه ضروري لحماية المصالح القومية الأمريكية، ومنذ ذلك الحين حرص الرؤساء الأمريكان المتعاقبون على توقيع ذلك الإعفاء بصورة تلقائية حتى جاء قرار ترامب الأخيـر.
لا يمكن هنا إغفال توقيت القرار الذي جاء في وقت بلغ فيه الانقسام والتشظّي العربي مرحلة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، ويبدو أنّ هذا ما أغرى ترامب باغتنام الفرصة، وهو ما يعكس استهانة واستخفافاً كبيراً بحلفائه العرب، فلم يتحرّج من إحراجهم أمام شعوبهم، ليضع النظام الرسمي العربي في مهبّ ريح عاصف، وفي مواجهة أزمة تاريخية عاتية تضرب شرعيته في الصميم، بعدما أثبت عجزاً كاملاً وفشلاً ذريعاً في مواجهة التهديدات التي تحيق به من كل جـانب، والتي جعلتـ من العالـم العربـي كلأً مسـتباحاً بـعدما صار مسـرحاً لصـراعات القوى الإقلـيمية والدولـية.
يصبّ ترامب بقراره المزيد من الزيت على النار المشتعلة في المنطقة، التي تعاني من انتشار سردية التطرّف والعنف كردّ فعل سلبي على إجهاض الربيع العربي، وانسداد أفق التغيير السلمي والتحوّل الديمقراطي، وانتعاش الثورات المضادّة ومصادرة حقّ الشعوب في امتلاك مصيرها، فمن المعلوم أن السياسات الغربية عامة والأمريكية خاصة، حيال قضايا المنطقة رافد رئيسي من روافد انتشار نزعات التطرّف، وقد أتت حقبة الأغبر المتطرّف بوش الابن وأتباعه من المحافظين الجدد بشخصيات مثل أسامة بن لادن، وأحمدي نجاد كفاعلين رئيسيين على المسرح الإقليمي. 
تحظى القدس بمكانة رفيعة خاصّة لدى أتباع الديانات السماوية جميعاً، فهي لا تقتصر فقط على المسجد الأقصى أو القدس الشرقية، وفي هذا الصدد كتب المُؤرِّخ الكبير دكتور قاسم عبده قاسم عن مدى أهمية القدس والصراع التاريخي عليها:
«القدس مدينة و رمز حضاري، وبؤرة صراع بين أصحاب الأرض والتاريخ، وأولئك القادمين من خارج الأرض ومن خارج التاريخ، فالقدس ليست مدينة مثل سائر مدن الأرض، وإنما هي مدينة ارتبطت بالأديان السماوية الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والإسلام، وهذه الأديان اعتنقها سُكّان فلسطين وتحوّلوا من أحدها إلى الآخر حسب مرور الزمان وتطوّرات التاريخ، وتقلّبات السياسة والحرب، لكن القدس التي وُلدت عربية على أيدي اليبوسيين ظلّت على عروبتها وإن دخلت ضمن مقدّسات الأديان الثلاثة. « 
بالرغم من كل الدلالات السلبية لقرار ترامب، بيْد أن الجانب الإيجابي له يكمن في عودة الروح للقضية الفلسطينية، بعد حالة الموت السريري التي ألّمت بها في السنوات الأخيرة، وعودتها مجدداً إلى مقدّمة جدول أعمال السياسة الدولية، وصدارة المشهد الإعلامي، كونها القضية المركزية في العالميْن العربي والإسلامي، فرّبما تكون هذه فرصة من أجل التذكير بأنّ التناقض الأساسي هو مع إسرائيل والمشروع الصهيوني الذي يمثّل مصدر التهديد الرئيسي للمنطقة، ومن أجل إعادة بناء الوعي الجمعي للأجيال الجديدة، باستعادة ذاكرتنا التاريخية، وترقيع ما أصابها من فتوق وشقوق، وتصفية ما علق بها من تزييف وتحريف، انتهى بجعل عار «التطبيع» أمراً عادياً لا غضاضة فيه، يقترفه البعض علانية دون حياء أو خجل(!). 
الصراع على القدس صراع قديم متجدّد مرّ بمراحل تاريخية عديدة، وقرار ترامب الأخير حلقة جديدة في هذا الصراع الطويل، فقضية القدس قضية مُركّبة شديدة الخصوصية ذات أبعاد حضارية، وتاريخية، ودينية، وسياسية، و ثقافية، ممّا يجعلها تتجاوز الشأن الوطني الفلسطيني، لتكون بوصلة الأمة الإسلامية بأسرها، وتحشد خلفها كلّ أحرار العالم في كلّ بقاع الأرض من المعنيين بتحقيق العدالة، ويتطلّب العمل عليها استراتيجية طويلة متعددّة المراحل، تقوم بالأساس على وعي معرفي بتاريخنا، وبمدى عدالة قضيتنا، من أجل التحرّر من أغلال الارتكاسة النفسية، والشيخوخة الحضارية التي أصابت بعضنا، وجعلتهم أسرى للتصوّرات الصهيونية عن ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.

الكاتب المصري: أحمد طه